أبي منصور الماتريدي

12

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا « 1 » : قال بعض أهل العلم : إن قوله - تعالى - : أَلَّا تَعْدِلُوا : من كثرة العيال ، وهو قول الشافعي - رحمه اللّه تعالى - ولكن « 2 » هذا لا يستقيم في اللغة ؛ لأنه يقال من كثرة العيال : أعال يعيل إعالة ؛ فهو معيل ، ولا يقال : عال يعول ، وإنما يقال « 3 » ذلك في الجور . فإن قيل : روي في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ابدأ بمن تعول » « 4 » لكن تأويله - واللّه أعلم - : ابدأ بمن يلزمك نفقته ، أي : ابدأ بمن تصير جائرا بترك النفقة عليه ، وكذلك يقال : عال يعول عولا ؛ إذا أنفق على عياله ، وليس من كثرة العيال في شيء ، ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن يعول ؛ فلو كان قوله : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا « 5 » من العيال ؛ لكان المتزوج واحدة ذا عيال ، وإن قول اللّه - تعالى - : أَلَّا تَعُولُوا ، والمتزوج واحدة يعولها ؛ فدل بما ذكرنا أن قوله : أَلَّا تَعُولُوا ، أي : لا تجوروا ولا تميلوا ؛ على ما قيل . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - : أَلَّا تَعُولُوا : ألا تميلوا « 6 » .

--> ( 1 ) قال القاسمي في محاسن التأويل ( 5 / 30 ) : تنبيهان : الأول : قال بعض المفسرين : دلت الآية على أنه يجب بالنكاح حقوق ، وتدل على أن من خشي الوقوع فيما لا يجوز قبح منه ما دعا إلى ذلك القبيح ؛ فلا يجوز لمن عرف أنه يخون مال اليتيم إذا تزوج أكثر من واحدة أن يتزوج أكثر ، وكذا إذا عرف أنه يخون الوديعة ولا يحفظها ؛ فإنه لا يجوز له قبول الوديعة . وتدل على أن العدل واجب بين الزوجات ، وأن من عرف أنه لا يعدل فإنه لا تحل له الزيادة على واحدة . وتدل على أن زواجه الصغيرة من غير أبيها وجدها جائز ، وللفقهاء مذاهب في ذلك معروفة . الثاني : في سر ما ترشد إليه الآية من إصلاح النسل . ( 2 ) في ب : لكن . ( 3 ) في ب : القول . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 4 / 46 ) في الزكاة : باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، ( 1427 ) ومسلم ( 2 / 717 ) في كتاب الزكاة باب بيان أن اليد العليا خير من السفلى ، وأن اليد العليا هي المنفقة ، وأن السفلى هي الآخذة ( 1034 ) ، والنسائي ( 8 / 55 ) في القسامة : باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد ، والحاكم ( 2 / 611 - 612 ) ، وعنه البيهقي في الدلائل ( 5 / 381 ) ، والدارقطني ( 3 / 44 - 45 ) ، والطبراني في الكبير ( 8175 ) ، وابن أبي شيبة في مصنفه ( 14 / 300 ) مختصرا . ( 5 ) قال القرطبي ( 5 / 16 ) : وهو عائل ، وقوم عيلة ، والعيلة والعالة الفاقة ، وعالني الشيء ، يعولني إذا غلبني وثقل عليّ ، وعال الأمر : اشتد وتفاقم . قال الثعلبي : وما قال هذا غيره ؛ وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عياله . وزعم ابن العربي أن « عال » على سبعة معان لا ثامن لها ، يقال : عال مال ، الثاني : زاد ، الثالث : جار ، والرابع : افتقر ، الخامس : أثقل ، حكاه ابن دريد ؛ قالت الخنساء : ويكفي العشيرة ما عالها . السادس : عال قوم بمئونة العيال ، ومنه قوله - عليه السلام - ( وابدأ بمن تعول ) . السابع : عال : غلب ، ومنه : عيل صبره : أي غلب ، ويقال : أعال الرجل : كثر عياله . وأما « عال » بمعنى : كثر عياله ، فلا يصح . ( 6 ) أخرجه ابن جرير عن مجاهد ( 7 / 549 - 552 ) ( 8487 ) ، ( 8490 ) ، ( 8504 ) ، وعن عكرمة